الصندوق الاسود بقلم سهام حمودة

Published March 16, 2016 by arabian roses

الصؔندوق الأسود

                              

وقفت على أطراف أصابعها وطبعت قبلة حارة على خده الأيسر· لم يستطع أن يمنع نفسه من الضحك فقد كانت تضع عطره  · تملكته رغبة جامحة في أن يضمها إلى صدره  بقوة ولكنه تجاهلها حتى لا يخيفها ·

كانت اللحظات التي يمضيانها معا قصيرة جدا ولكن الفوضى التي تحدثها ما إن تدير ظهرها  وتغلق الباب خلفها عارمة قوّضت كل أنظمته المستبدة · دلف إلى مكتبته حيث تعود أن يركن  لساعات طويلة يقرٲ  فكتبه المرفأ الذي يهرب إليه كلما اشتدت الأنواء بعقله ·

جلس إلى مكتبه ثم ٲخرج من تحت قميصه الأسود سلسلة فضية يتدلى منها مفتاح صغير· نزعها من عنقه ثم  مد يده إلى الدرج وفتحه ليخرج منه دفترا أنيقا·ابتسم وهو يتصفحه : كان صندوقه الأسود ولكن  منذ قدومها إلى قصره لم يدون فيه شيئا ·أعاده إلى مكانه ،أغلق الدرج بالمفتاح ثم وضع السلسلة حول عنقه ودفنها تحت قميصه ·

قام عن كرسيه  ووقف أمام مجموعة كتبه الضخمة وهو يضع يديه في جيبي بنطاله· كانت جل كتبه عن التاريخ و الفيزياء و الفلسفة·  فكر انه يجب أن يقتني كتبا جديدة تدخل البهجة إلى مكتبته  فقد مر زمن طويل على آخر كتاب اشتراه في مزاد للكتب ببريطانيا   ; ربما عليه اقتناء كتب عن المرأة ·رمق كرسيها الهزاز بطرف عينه وقد تدلى طرف وشاحها على الأرضية ، انحنى والتقطه ،كانت تعبق منه رائحة الزهور البرية ·لقد امضيا الهزيع الأخير من الليل   تقرٲ له حتى غلبها النعاس في كرسيها·  دنا منها وحدق بها وهي نائمة وقد تساقطت خصلات شعرها على خدها  و افتر ثغرها الجميل عن  ابتسامة فاتنة كأنها ترى حلما جميلا ،سمعها تغمغم  بشيء  لم يفهمه· ابتسم فقد كان هو أيضا يتكلم في نومه· انحنى نحوها، اخذ الكتاب من بين يديها وحملها بين ذراعيه ثم اتجه إلى غرفتها ·بدت كطفلة وديعة لا حول ولا قوة لها   فغمره شعور عذب  : رغبة في حمايتها  من شرور العالم·

تنهد وهو يعيد وشاحها إلى مكانه فهو يحزنه جدا انه أقحمها في معاركه فلطالما خاض حروبه بمفرده · فجأة سمع قرعا خفيفا على الباب ثم انفتح ببطء و ظهر من خلفه رجل مسن قد  اشتعل رأسه شيبا تشع من عينيه طيبة  الآباء وحكمة العجائز·التقت عيناهما اللتان كانتا بنفس اللون: لون اللوز فبادره بالسؤال بلهفة :

-هل تعتقد أنها سوف تعودˁ

-سوف تكون هنا قبل مغيب الشمس!

– لقد كانت تضع عطري عندما غادرت هل لديك أي تفسير لذلك ˁ

تقدم العجوز منه وهو يتغنى بصوت أجش:

-Enfant ! si j’étais roi, je donnerais l’empire,
Et mon char, et mon sceptre, et mon peuple à genoux
Et ma couronne d’or, et mes bains de porphyre,
Et mes flottes, à qui la mer ne peut suffire,
Pour un regard de vous !

Si j’étais Dieu, la terre et l’air avec les ondes,
Les anges, les démons courbés devant ma loi,
Et le profond chaos aux entrailles fécondes,
L’éternité, l’espace, et les cieux, et les mondes,
Pour un baiser de toi !

 تطلّع إليه الشاب في دهشة ٳذ كانت هذه أوّل مرة يسمعه يقول شعرا ·ابتسم العجوز له لكنه أشاح بوجهه عنه حتى لا يقرٲ الخوف في عينيه :كان خائفا أن لا تعود فلا يجد من يهرع إليه عند قدومهم مثلما كان يفعل عندما كان صغيرا إذا جن الليل ·تعود أن  يهرع إلى والدته فيرتمي في أحضانها ليجد السلام والأمان ، يهرب من أصوات  تلاحقه كلّما حل الظلام  حتى أن والده جهز البيت بالأضواء في كل مكان ولكن الأصوات كانت ذكية جدا فلم يخفها النور الذي يتستر به الليل والصبي   فضاق أبوه  ذرعا به وبأصواته  وهجر أمه التي سرعان ما تدهورت صحتها وماتت  فكفله جده فاحش الثراء  ·لكن رغم ثرائه وعلمه  لم تحبه امرأة قط و لم تتحمل أنثى  معاشرته و أصواته المخيفة التي كانت كلعنة رافقته منذ صباه حتى  ٲمهر  الأطباء عجزوا عن تحريره منها  · اعتزله الجميع  وأصبح قصره مثل القصور التي يحكى عنها في القصص الخيالية المرعبة فأزمع  العجوز أن يحضر له رفيقة كل ليلة مهما كلفه الثمن  لتسامره حتى بزوغ الفجر· كانت بعضهن يضحكن أو يحملقن فيه بدهشة  عندما يطلب منهن فقط أن يقرٲن له أو يروين له حكاية   فيظنُنؔ أن به مسؔا من  الجنون فيرحلن في الحين أو يرفضن الرجوع ثانية حتى قابلها هي صدفة :كان ليلتها  واقفا عند الرصيف كدأبه  يبحث عن   بنات الليل لعله يحظى برفيقة لحفيده ،رآها  تركض باتجاهه لا تلوي على شيء ، ارتطمت به وسقطت عند قدميه  ،  امسك بيدها  على حين غرة و أبى أن يفلتها  ،توسل إليها   أن ترافقه إلى بيته  لمساعدة  حفيده  المريض واعدا إياها بمبلغ كبير من  المال إذا أذعنت لأمره ،رأى الرعب والألم  في عينيها ولكنه لم يحررها فألمه اشد من ألمها ، قاومته بشدة ولكن لما رأت الدموع في عينيه  استكانت و رق قلبها له·

 لم يسألها العجوز عن اسمها، قادها إلى المكتبة أين وجده جالسا قرب المدفأة يحدق في النار  ، حتى انه لم يرفع عينيه نحوهما كأنه لا يشعر بوجودهما · أومأ  العجوز لها بالجلوس على كرسي حذوه وطلب منها أن تقرا له من كتاب وضع على الطاولة حتى بزوغ الفجر ثم خرج  ·لوهلة انتابها الخوف لبقائها وحيدة معه فكل  شيء يبدو جنونيا لكن سرعان ما تبدد  وحلت محله سكينة لم تفهم مصدرها· أخذت الكتاب وفتحته  ، عضت على شفتها السفلى  فقد كان كتاب فلسفة وهي لم تكن من محبيها أبدا ·شرعت في القراءة بتأنّ ، كانت تارة  تقرا وتارة تنظر إليه خلسة لترى إن كان يشعر بوجودها ولكنه كان يحدق في نار المدفأة فسكتت ،التفت إليها   دون أن ينظر في عينيها  وكأنه يطلب منها أن لا تتوقف فتابعت القراءة بصوت عذب بعث الدفء في المكان والطمأنينة في قلب العجوز الذي كان يقف وراء الباب الموارب يراقبهما  وعند انبلاج الصباح رحلت الفتاة ·

في رحلته ليلا للبحث عن أنثى تمنى العجوز أن يلتقي بها مجددا فقد لاحظ أن حفيده أحب رفقتها إذ سأله في الصباح عمّن تكون، كانت تلك أول مرة يهتم بهوية من يحضرهن إليه ·

عقدت الدهشة  لسانه عندما رآها واقفة في نفس المكان وهي تحتضن كتابا  كأنها تنتظره· ابتسما عندما التقت عيناهما فقد قرأ كل منهما أفكار الآخر·  كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحا عندما انسحبت من المكتبة بهدوء حتى لا توقظه · رقص قلب العجوز  فرحا عندما وافقت أن تأتي كل ليلة ·وهكذا تحولت المكتبة الباردة إلى مكان يضج بالحياة و استسلمت  رائحة كتبه القديمة  لسحر عطرها  وعلا صوتها العذب على أصواته المخيفة فما عاد يسمعها وشيئا فشيئا بدا يشعر بأنه رجل عادي لكنه  لم يخبرها  عن سره خوفا أن يخيفها كما أخاف الأخريات فترحل عنه وتتركه وحيدا فيصبح فريسة سهلة للأصوات من جديد ·

وذات يوم  عندما كانت و العجوز  يرتشفان القهوة في حديقة القصر تذكرا الليلة التي التقيا فيها فسألها عن سبب وجودها في ذلك المكان المخيف المقفر تلك الليلة الباردة و لماذا كانت تركض  ·ارتعشت أصابعها  وهي ترفع الفنجان إلى شفتيها،  رشفت القهوة ثم أطرقت رأسها·

-هل تهربين من شخص ماˁ هل يحاول احد ما أذيتكˁ

رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين حزينتين وأردفت قائلة :”هم أشخاص! لا اعرف عددهم و لكنهم كثيرون ·لا اعرف كيف يبدون و لكن أصواتهم مخيفة · لا استطيع رؤيتهم  و لكنني استطيع سماعهم · هم لا يأتون إلا  ليلا إذا حل الظلام و لف السكون الوجود، يأتون ليلا عندما أكون وحيدة لهذا كنت أحاول الهروب منهم في تلك الليلة ·”

ارتسمت على وجهه ابتسامة شاحبة ولم ينبس ببنت شفة أما هي فوضعت فنجان القهوة على الطاولة وانتصبت واقفة ثم ذهبت إليه لتودعه والعجوز يراقبها من بعيد حتى اختفت داخل القصر سقطت دمعة حارة من عينه فلعنتهما تشبه لعنته الأبدية·

سهام حمودة

11194528324_ac3a354b60_b.jpg

 

 

House Of Fiction

”،إننا بحاجة للقصص بقدر حاجتنا للطعام و الهواء والماء و النوم، القصص هي الطريقة التي من خلالها ننظم و نرتب الواقع.” بول أستر

arabian roses'whispers

- To overcome evil with good is good, to resist evil by evil is evil. Prophet Muhammed صلى الله عليه وسلم

. نقطة

نقطة ونبدأ من أول السطر.. حكاية جديدة... هكذا هي الحياة

Lost in Translation

An attempt to convey meanings through words, images and sounds

Il mio giornale di bordo

Il Vincitore è l'uomo che non ha rinunciato ai propri sogni.

Faithrises

"Discussions on faith and perseverance"

Wind Against Current

Thoughts on kayaking, science, and life

Dean J. Baker - Poetry, and prose poems

Buy one of my books, you cabbage

Pete Armetta

Flash Fiction, Poetry, Short Stories and Essays

DEAR HUMAN

These letters are written to remind you just how much you matter, just how important you are, and just how beautiful the gift of life as a human is.

Laurie Works

My Resilience Story

poetreecreations.org

THE BEST OF POETRY

HA's Place

musings of a self-proclaimed weirdo

Words4jp's Blog

A Mind Ready to Explode!

muags

Just words

velvetmedia

Just another WordPress.com site

Matt on Not-WordPress

Stuff and things.

1 One Poet 4 Man

Who will write the Poetry that saves the world? Where Are The Poets For Man?

NerdspireArts-by Sarah Hicker

Inspire through passion and creativity